تناقش الكاتبة جميلة يوسف مستقبل الاقتصاد اللبناني في ظل المفاوضات الجارية مع إسرائيل، وتطرح سؤالًا محوريًا يفرض نفسه على صناع القرار في بيروت: هل يستطيع السلام وحده إنهاء الأزمة الاقتصادية والاجتماعية العميقة التي يعيشها لبنان، أم أن التعافي يحتاج إلى إصلاحات داخلية تتجاوز مجرد وقف الحرب؟
وتوضح مجلة إكزاكيوتيف في مستهل تحليلها أن لبنان يدخل أي مسار تفاوضي وهو مثقل بانهيار مالي ومصرفي غير مسبوق، وبمعدلات مرتفعة من الفقر والبطالة وتراجع الخدمات العامة. وترى المجلة أن آثار الحرب الأخيرة زادت الضغوط على المواطنين الذين يواجهون صعوبات متزايدة في تأمين الاحتياجات الأساسية وسط تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.
السلام وحده لا يكفي لإنقاذ الاقتصاد
ترى الدراسة أن اتفاق سلام محتمل قد يخلق مناخًا أكثر استقرارًا ويشجع الاستثمار والسياحة والتعاون الاقتصادي الإقليمي، مستشهدة بتجربتي الأردن ومصر بعد توقيع اتفاقيات السلام مع إسرائيل. فقد استفادت الدولتان من تحسن العلاقات الدولية وزيادة التدفقات المالية والاستثمارات خلال مراحل معينة.
لكن التجربتين تكشفان في الوقت نفسه حدود السلام كأداة اقتصادية. فعلى الرغم من المكاسب الأولية، استمرت مشكلات البطالة والديون وضعف النمو والإصلاحات الهيكلية. وتشير الكاتبة إلى أن الاستقرار السياسي قد يفتح فرصًا جديدة، لكنه لا يعالج تلقائيًا الاختلالات الاقتصادية العميقة أو مظاهر الفساد وسوء الإدارة.
وتؤكد أن لبنان يعاني أصلًا من أزمات سبقت الحرب الحالية بسنوات، تشمل انهيار القطاع المصرفي، وضعف البنية التحتية، وأزمة الكهرباء المزمنة، وتراجع كفاءة المؤسسات العامة. لذلك يصعب توقع تحول اقتصادي مستدام إذا اقتصر الأمر على إنهاء المواجهات العسكرية.
الإصلاح دون استقرار يواجه عقبات كبيرة
تستعرض الكاتبة تجارب لبنانية سابقة حاولت خلالها الحكومات إطلاق برامج إصلاح ومكافحة فساد وتحسين الإدارة العامة. ورغم أن بعض هذه المبادرات ساعد على تنشيط الاقتصاد لفترات محدودة، فإن الاضطرابات السياسية والأمنية المتكررة أعاقت تحقيق نتائج طويلة الأمد.
وتلفت الدراسة إلى أن الإصلاحات يمكن أن تخفف من آثار الأزمات وتدعم النمو، لكنها تظل معرضة للانتكاس في ظل استمرار التوترات الإقليمية وعدم اليقين السياسي. كما يؤدي تكرار الصراعات إلى إضعاف ثقة المستثمرين وتأجيل مشاريع الإعمار والتنمية.
وتبرز أزمة الكهرباء بوصفها أحد أبرز الأمثلة على التحديات الهيكلية التي تستنزف الاقتصاد اللبناني. فقد ساهمت عقود من سوء الإدارة والتدخلات السياسية في تحويل القطاع إلى عبء مالي ضخم، بينما يعاني المواطنون والشركات من نقص الخدمات وارتفاع التكاليف.
السيناريو الأفضل: السلام مع الإصلاح
تخلص الدراسة إلى أن المسار الأكثر قدرة على تحقيق نمو مستدام يتمثل في الجمع بين الاستقرار السياسي والإصلاحات الاقتصادية العميقة. ففي هذا السيناريو، تساعد بيئة أكثر هدوءًا على جذب الاستثمارات وتحفيز القطاع الخاص، بينما ترفع الإصلاحات كفاءة الاقتصاد وتحد من الهدر والفساد.
وترى الكاتبة أن بناء مؤسسات قوية وتعزيز الشفافية وإصلاح المالية العامة وتطوير البنية التحتية تمثل شروطًا أساسية لتحويل أي مكاسب سياسية إلى ازدهار اقتصادي حقيقي. كما أن معالجة الأزمات المزمنة، وفي مقدمتها قطاع الكهرباء، قد ترفع معدلات النمو وتزيد القدرة الإنتاجية للاقتصاد.
وفي ختام التحليل، تؤكد المجلة أن التحدي الحقيقي أمام لبنان لا يكمن في الاختيار بين السلام أو الإصلاح، بل في تحقيقهما معًا. فالتاريخ يشير إلى أن السلام قد يخلق فرصًا مهمة للنمو، لكنه لا يضمن الازدهار ما لم ترافقه إصلاحات مؤسسية واقتصادية قادرة على معالجة الأسباب العميقة للأزمة وبناء اقتصاد أكثر استقرارًا وقدرة على الصمود.
https://www.executive-magazine.com/cover-story/cedre/analysis-cedre/is-peace-the-answer-2

